محمد أبو زهرة

1370

زهرة التفاسير

ولقد ذكر بعض العلماء هنا وجه البلاغة في التعبير ب « في » دون « إلى » إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال يسارعون إلى الخيرات ، ولكنه سبحانه وتعالى قال : يسارعون في الخيرات ، للإشارة إلى أن هؤلاء يسيرون في كل أعمالهم في سبيل الخير ، فهم ينتقلون من خير إلى خير ، في دائرة واحدة هي دائرة الخير ، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ، ولا يخرجون منها ، فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير ، بل إنهم ينتقلون من خير إلى خير ، فكان التعبير ب « في » له موضعه من البيان . وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ الإشارة هنا إلى الموصوفين بالصفات السابقة ، من تلاوة الكتاب في خشوع وخضوع وتعرف لمراميه ومعانيه ، وإذعان لحقائقه ومغازيه ، ومن خضوعهم المطلق للّه سبحانه وتعالى ، ومن إيمانهم حق الإيمان باللّه تعالى ، وتصديقهم لكل ما جاء عن اللّه تعالى ببيناته وأدلته ، ورجائهم لليوم الآخر ، وخوفهم من عذابه ، وترقبهم في كل ما يعملون لحسابه ، فهذه الأوصاف كلها سلكتهم في عداد الصالحين ، ولم تجعلهم في زمرة الفاسقين الذين ذمهم اللّه سبحانه وتعالى : والصالحون الذين دخل هؤلاء في جماعتهم هم الذين صلحت أحوالهم واستقامت أمورهم ، وفي التعبير بقوله تعالى : مِنَ الصَّالِحِينَ إشارة إلى أنهم بهذه المزايا ، وتلك الصفات قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم اللّه تعالى : وذكر أن أكثرهم فاسقون ، فهم قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين . وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ في هذا النص الكريم بيان أن اللّه تعالى يحتسب ما يفعلون من خير ، ويثيبهم عليه ، و « ما » هنا شرطية ، ولذا جزم الفعل بعدها ، و « من » هنا تفيد العموم ، أي : إن يفعلوا أي خير قليلا كان أو كثير فلن يحرموا ثوابه ، وقد أكد احتسابه ب « لن » ، لأن النفي ب « لن » يفيد التوكيد ، و « كفر » بمعنى ستر ، وهي لا تتعدى إلى مفعولين ، ولكن لتضمنها معنى « حرم » تعدت إلى مفعولين ، ويقول في ذلك الزمخشري : « فإن قلت : لم عدى إلى مفعولين وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد ، تقول : شكر النعمة وكفرها ؟